بيان مهم
طالعنا بيان اللجنة العليا للطوارئ الصحية بتاريخ 18 مايو 2021 وهو يقرر إغلاقاً جزئياً للبلاد في إطار جهود “احتواء” جائحة كورونا حيث قضى بتعطيل الدراسة بالمدارس والجامعات والتجمع للصلوات في المساجد ودور العبادة وتخفيض عدد العاملين في المؤسسات من المواطنين الأكثر عرضة للإصابة بالمرض كما تقرر منع العائدين من دولة الهند بشكل مباشر أو الذين كانوا فيها خلال 14 يوما. وتنبأ القرار بوصول الحالات إلى 100 ألف حالة في الأسبوعيين الأولين من شهر يونيو القادم بناءً على حسابات رياضية أُستخلصت من ارتفاع نسبة إيجابية الفحص بنسبة 50% من الحالات.
القرار تمت معارضته في اليوم التالي بواسطة جهات حكومية كان من ضمنها وزارة التربية والتعليم، وزارة الاوقاف والشؤون الدينية، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مما بعث شعوراً عاماً بين المواطنين بأنه تم اتخاذ هذا القرار دون بحث علمي كافٍ، ودون استشارة واسعة لمكونات الجهاز التنفيذي، وحتى دون إرادة سياسية لتنفيذه ما تراه لجنة الطواريء خطراً داهماً على البلاد وقطاعها الصحي الهش.
إذ أن اقتناع المواطن بأن الدولة تبحث عن مصلحته الحقيقية ولا تستسهل إصدار القرارات التي تزيد من معاناته وأن هذه القرارات تصدر بعد بحث مضني ومشاورة فنية واسعة وبحث بين المختصين، هذه القناعة هي التي تحثه على الالتزام بالاشتراطات التي تفرضها الدولة.
و بالنظر إلى الحجج التي ساقتها اللجنة في بيانها الصادر بتاريخ 18 مايو ثم مؤتمرها الصحفي في اليوم التالي 19 مايو فإن قرار الإغلاق الجزئي هو خلاصة لتنبؤ يوصول الحالات إلى 100 ألف بعد أسابيع، لأن نسبة الحالات الموجبة هي 50% من الحالات المفحوصة – وهي نسبة عالية كما قيل – ولكن نسبة لضعف التقصي والفحص، وعدم حساب الفحص الذي يتم بواسطة المعامل الخاصة، فإن العدد المفحوص كان ل 47شخص فقط، كان نسبة الموجب منهم 21 كما ذكر في المؤتمر، ومن الصعب جداً التنبؤ بهذه النسبة الضئيلة والزعم بأنها ممثلة للمجتمع بل والبناء عليها لإصدار قرارات تؤدي إلى نتائج مجتمعية وإقتصادية ودينية يصعب على الناس تحملها.
ومن المؤسف قيام اللجنة بذكر أرقام دون قيد زمني واضح، حيث ذكر البيان: ( تم فحص عدد (65,252) مشتبه وثبت إصابة (34,707) شخص وذلك حتى يوم 16/5/2021م؛ فإن عدد الوفيات بلغ (1116) شخص كانت غالبيتهم من كبار السن من 60 سنة فما فوق تمت وفاتهم بالمستشفيات)، وبدون قيد زمني لا يمكن استخدام هذه المعلومة لتقرير أي خلاصة فضلاً عن التنبؤ المذكور آنفا، وهذا خطأ فني لا يفوت على المبتدئين في الإحصاء ما لم يكون مقصوداً لتمرير قرار كان سيتم إتخاذه مهما كانت الأرقام والإحصاءات. ويذكر موقع منظمة الصحة العالمية عن السودان: أن الحالات المسجلة بين 3/1/2020 وتاريخ اليوم 24/5/2021 الساعة 10:23 صباحاً أن الحالات المسجلة بلغت 34889 حالة، وهذا يعني أن وزارة الصحة استخدمت الحالات الموجبة منذ بداية الجائحة في 3 يناير 2020 لإقناعنا بضرورة الإغلاق في هذه الأيام ونسيت أن هذه المعلومات متاحة لكل من يبحث عنها. بل بينت الإحصائيات المنشورة على موقع منظمة الصحة العالمية بأن منحنى الجائحة في السودان ظل في نزول مستمر للأسابيع الخمسة السابقة سواء كان في الحالات الموجبة أو الوفيات، فكيف يمكن تجاهل هذه الحقيقة الواضحة والذهاب لتنبؤ رياضي تُبني عليه قرارت بهذه الشدة والصعوبة !
إننا هنا لا نقلل من خطورة المرض، ولا انتشاره بين الناس. كما لا نشجع التراخي في الالتزام بالاشتراطات الصحية التي تقي أهلنا وطأة هذه الجائحة التي حصدت أرواح الكثيرين من الأهل والأحباء، بل نشجع الدولة علي الصدق مع المجتمع، وأن تقوم ببعض التدخلات المهمة والتي رأيناها تحقق نجاحات كبيرة في العالم دون اللجوء إلى قرارت صعبة كالإغلاق ومن هذه التدخلات:
أولاً: إلزام الجميع بغطاء الوجه (الكمامة)، ومع أن هذا التدخل مذكور في قرار لجنة الطواريء، فإنه لا توجد أي جدية من الجهات الرسمية لتطبيقه، حيث ينبغي إشتراط لبس الكمامة في المؤسسات الحكومية لموظفيها ومنع كل المواطنين الذين لديهم مصالح مع هذه الجهات الحكومية ومؤسسات الدولة المزدحمة كقاعات المحاكم ومجمعات خدمات الجمهور التابعة لوزارة الداخلية والبنوك والجامعات. وإلزام القطاع الخاص بفعل مماثل، ومع أن بيان لجنة الطوارىء هدد المخالفين بأنهم سيكونون: ( عرضة للمساءلة والعقوبة القانونية) إلا أنه لا يوجد تشريع ضد الالتزام بها ولا عقوبة في القانون السوداني.
ثانياً: التطعيم الطوعي والإلزامي؛ فبينما ترتفع أصوات الدول بالمطالبة بحصص كبيرة من جرعات التطعيم، يعجز السودان عن توزيع 800 ألف جرعة مجانية حصل عليها، حيث اشتكى مدير الطواريء في المؤتمر الصحفي من بطء التوزيع وعدم حصول الفئات المستهدفة والولايات عليه، بلغ عدد المطعمين 239400 مواطن سوداني (بنسبة 29% من الجرعات المتوفرة) حسب منظمة الصحة العالمية !! و يكفينا إعلان وزارة الصحة بولاية الخرطوم أن الذين تلقوا التطعيم حتى تاريخه هم 128 ألفاً في ولاية يقطنها عدة ملايين، فكيف تلجأ حكومة عجزت عن إنفاذ هذا التدخل الرخيص نسبياً إلى حل مكلف كالإغلاق!
ثالثاً: المواصلة في تقوية النظام الصحي إذ ما زالت مستشفيات ولاية الخرطوم على الأقل تعمل بشكل متقطع وجزئي وتغلق أبوابها أمام المرضى، وسط اضرابات فئوية متكررة.
رابعاً: توجيه الجهات المسؤولة بالتحكم في بوابات البلاد ومنها المطار الذي يصل منه القادمون من دول كالهند، ويشقون طريقهم للدخول عنوة دون حجر أو دون خوف من المساءلة والعقاب. وبشكل متكرر. وقد يتساءل المواطن: كيف لدولة تضحي بإغلاق البلاد وإلزام 40 مليون من مواطنيها بغطاء الوجه والكمامات دون أن تستطيع منع بضعا وعشرين شخصاً من الدخول عبر المطار؟ وحتى قرار منع القادمين من الهند تم التراجع عنه فقد أصدرت وزراة الصحة الإتحادية تصريحاً صحفياً بتاريخ السبت 22 مايو بقيام وزير الصحة الدكتور عمر النجيب بتفقد تجهيزات الحجر الصحي داخل مطار الخرطوم الدولي لاستقبال القادمين من دولة الهند ووضع التحوطات اللازمة لحماية البلاد من المهددات الصحية المحتملة، طبقاً لقرارات وموجهات اللجنة العليا للطوارئ الصحية.
هناك الكثير من التدخلات الناجحة والجاهزة والتي قامت بها دول العالم لاحتواء المرض، يمكن التركيز عليها وانتقاء ما يناسب وضعنا الاجتماعي والصحي، دون زيادة المعاناة على المواطنيين، وإن التسرع في إصدار القرارات وضع سمعة لجنة الطوارئ ووزارة الصحة على المحك، وأدى إلى تمرد قطاعات حكومية ومجتمعية على القرار دون قيام الجهات التي أصدرته حتى بالدفاع عنه فضلاً عن إنفاذه.
كما أن مؤسسات الحكم الانتقالي مطالبة بطرح القرارات المماثلة لمزيد من التشاور والدراسة على أيدي العلماء والأكفاء، وإلا نتجت عواقب كارثية رأينا بعضاً منها من سقوط هيبة الدولة والتقليل من شأن الأخطار والمهددات الصحية التي تواجه البلاد.
اللجنة الصحية بالتيار السوداني
24/5/2021
#حماية_وبناء
#التيار_السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *